عدن اوبزيرفر
عدن اوبزيرفر

الخوف من كورونا يجمع الناس والسياسيون يفرقون بينهم

مارس 18, 2020 عدد المشاهدات 48 عدد التعليقات 0
الخوف من كورونا يجمع الناس والسياسيون يفرقون بينهم


لنبدأ بذكر هذا الرقم؛ 646 ألف شخص يموتون بسبب الأنفلونزا الموسمية (أمراض البرد) في العالم سنويا، لا نسمع عنهم شيئا عادة، وهذا الرقم منقول عن مسؤولين أميركيين في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. لماذا الخوف من فايروس كورونا المستجد إذا؟

ما يخيف في حالة كورونا ليس عدد الوفيات الناجم عنها فقط، بل حقيقة أن العلماء لم يصلوا بعد إلى لقاح للفايروس، إضافة إلى ما يروجه السياسيون والاقتصاديون.

الصينيون “فايروسات تمشي على قدمين”، هكذا اشتكى المدرب الإسباني لنادي ووهان الصيني لصحيفة “زود دويتشه تسايتونج” الألمانية الصادرة الاثنين، أثناء تواجد بعثة الفريق الصيني في إسبانيا نهاية يناير الماضي.

وبات يُنظر إلى مدينة ووهان على أنها مصدر “الشرور”، فمنها انطلق الفايروس المستجد، وانتشر في أنحاء العالم.

لم يقتصر التراشق بالاتهامات حول أصل الفايروس، على المستوى الشعبي، بل كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، آخر المغردين، حيث وصف فايروس كورونا المستجد بـ”الفايروس الصيني”.

ومن سخريات القدر أن الجائحة القاتلة التي انتشرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى في أوروبا والعالم، سُمّيت بالأنفلونزا الإسبانية، وهي جائحة قاتلة خلفت ملايين القتلى، وتقدر الإحصائيات الحديثة أن حوالي 500 مليون شخص أصيبوا بالعدوى وأظهروا علامات إكلينيكية واضحة، وما بين 50 إلى 100 مليون شخصا توفوا جراء الإصابة بالمرض.

وأثار الوباء حينها جدلا كبيرا حول مصدره، وحاول البعض إلصاقه بالصين، التي كانت واحدة من بين أقل مناطق العالم تأثرا به، وكانت هناك ادعاءات أخرى بأن أصل الوباء يعود إلى الولايات المتحدة.

وفي عام 2014، قال المؤرخ، مارك همفريز، إن تعبئة 96 ألف عامل صيني للعمل خلف الخطوط البريطانية والفرنسية ربما كانت مصدر الوباء.

ولم يجد تقرير نُشر عام 2016 في مجلة الجمعية الطبية الصينية أي دليل على أن فايروس عام 1918 نُقل إلى أوروبا عبر الجنود والعمال من جنوب شرق آسيا والصين، بل على العكس، وجد التقرير أدلةً على أن الفايروس انتشر بين الجيوش الأوروبية لعدة أشهر، وربما سنوات، قبل وباء 1918.

ورغم أن الخوف من فايروس كورونا اليوم قد وحّدَ الجميع، إلا أنه ساهم أيضا في تفريقهم، وباتت الدول واحدة إثر الأخرى، تتخذ قرارات بعزل نفسها، ومنع السفر منها وإليها، تماما مثلما فعل البشر، الذين حددوا مسافة متر ونصف فاصلا بينهم، وامتنعوا عن المصافحة.

استطاعت كورونا أن تخرج الدوافع الغريزية المدفونة داخل كل منا؛ “اللهم أسألك نفسي”، ليس فقط على مستوى الأفراد بل على مستوى الدول أيضا.

في الربع الأول من القرن الماضي، عندما كانت الكوليرا تجتاح المدن، كان السكان يهرعون إلى الأرياف والجبال، يعزلون أنفسهم داخل الكهوف أحيانا، حاملين معهم مواد غذائية بسيطة، يبقون هناك إلى أن ينتهي الوباء، الذي اعتادوا أن يطلقوا عليه اسم “الريح الأصفر”.

ما يحدث اليوم أمر مشابه، حيث هرع الجميع لشراء ما يستطيع شراءه من مواد غذائية، وعزل نفسه وأسرته، وتم ذلك غالبا بأمر حكومي.

وقرّرت الحكومات، تباعا، إغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية للبلاد، لتعزل نفسها عن العالم، في مسعى للحدّ من تفشّي الفايروس المستجدّ، مستثنية مرور السلع والبضائع، ورحلات لإجلاء مسافرين عالقين، بعد أن وجد آلاف المسافرين أنفسهم عالقين في المطارات.

وأغلقت المطاعم والمقاهي وأماكن السهر، وتم منع التجمعات، على غرار النشاطات الثقافية والرياضية، والحفلات والأسواق، وغيرها من أماكن التجمهر، وطال الحظر في بعض الدول وسائل النقل العام وفرض منع التجول. ولم يستثن الإغلاق أماكن العبادات والمدارس والجامعات.

وأعلنت فرنسا أنها في حالة حرب، واستخدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال إن التجمعات العامة والاجتماعات العائلية أو بين الأصدقاء لم يعد مسموحا بها حتى وإن كانت في المتنزه أو في الشارع، العبارة مرارا، مرددا “نحن في حالة حرب”، معلنا تشديد القيود المفروضة على التنقّل، وإرجاء الدورة الثانية من الانتخابات البلدية.

أن يعزل الأفراد أنفسهم أمر محمود، ولكن أن تعزل الدول نفسها شيء آخر تماما، خاصة بعد أن أغرقتنا تلك الحكومات بالحديث عن العولمة.

تداعيات الوباء أخطر بكثير من الوباء نفسه، وخسائر تلك التداعيات على الاقتصاد العالمي يمكن تصورها من الرقم الذي كشف عنه صندوق النقد الدولي الاثنين، وهو تريليون دولار، مخصصة لإقراض ومساعدة الدول الأعضاء من أجل مكافحة انتشار الفايروس المستجد.

الإجراءات المتخذة تثير الرعب، وقد أثارته بالفعل، لم يعد للناس من حديث سوى وباء كورونا، وقدرتها على قتل البشر، وما لم تتخذه الحكومات من قرارات صارمة، طالبت به الشعوب، مثلما حدث في تونس التي خرجت فيها واحدة من أكثر صحفها اليومية شعبية بعنوان يقول “الاستهتار بالحجر الصحي جريمة.. الشعب يريد حظر التجول”.

وبينما يؤجج السياسيون والاقتصاديون مخاوف الناس من الوباء، ويدفعون بهم إلى الاعتقاد بأن المرض سيقضي على معظم سكان الأرض، تصر جهات علمية على أن هذه المخاوف مبالغ بها، وهذا ما أشارت المتابعات اليومية التي أجرتها جامعة جونز هوبكنز للإصابات بفايروس كورونا المستجد.

ورغم أن حساب معدلات الوفيات أثناء انتشار الوباء أمر صعب، حيث لم يتضح بعد عدد الحالات ذات الأعراض الخفيفة أو تلك التي لم تظهر عليها أعراض الإصابة، يبقى أفضل تقدير لنسبة الوفيات بسبب فايروس كورونا، حتى الآن، 1.4 في المئة، حسب الجامعة التي أكدت أن معظم المصابين بالفايروس يتعافون.

وحتى حدود أمس أصاب فايروس كورونا 184 ألفا تقريبا، في 158 دولة وإقليما، توفي منهم 7165 شخصا، أغلبهم في الصين وإيطاليا وإيران وإسبانيا.

لن تقضي كورونا على البشرية، وقراءة متأنية للأرقام تؤكد ذلك؛ من حق العالم أن يخشى الوباء، ولكن ليس من حق السياسيين استخدام الفايروس لإشاعة الخوف والذعر وتأجيج العداوة بين الشعوب.

الأفضل للبشرية أن تواجه الوباء متحدة، لا أن تغلق الحدود، فذلك لن يمنع من انتشار وباء انتشر فعليا في 158 بلدا وإقليما.

ShareWhatsAppTwitterFacebook

علي قاسم
كاتب سوري مقيم في تونس

الاخوة متصفحي عدن اوبزيرفر نحيطكم علماُ ان :

* التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي " عدن اوبزيرفر " وإنما تعبر عن رأي أصحابها

* نعتذر عن نشر أي تعليق يحمل تجريح وألفاظ نابية

أضف تعليقا

الاسم *
البريد الالكتروني
التعليق *

    الرجوع الى الأعلى