عدن اوبزيرفر
عدن اوبزيرفر

معادلات ما بعد تصفية البغدادي

أكتوبر 29, 2019 عدد المشاهدات 62 عدد التعليقات 0
معادلات ما بعد تصفية البغدادي


مرح البقاعي
“جباناً كالكلب انتهى”… هكذا وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مشهد انتحار الإرهابي أبوبكر البغدادي، مؤسس وزعيم داعش، بتفجير نفسه بالحزام الناسف الذي كان يرتديه بعد أن حاصره جنود النخبة الأميركية في النفق المسدود الذي هرول إليه ليختبئ.

حال مداهمة الأميركيين لمقرّه في إدلب السورية، وكان “يبكي ويصرخ خوفاً بينما يحتجز ثلاثة أطفال اصطحبهم معه للموت في النفق”، كما وصفه ترامب الذي كان يشاهد العملية في بث حي عبر وسائط تكنولوجية عالية الدقة من غرفة العمليات في مقره الرئاسي بواشنطن، محاطاً بنائبه ووزير دفاعه ومستشاره للأمن القومي واثنين من كبار جنرالات البنتاغون.

توقيت العملية العسكرية التي أدار فصولها الجيش والاستخبارات الأميركيين، أثار العديد من الأسئلة والتوقعات في آن. فبعد أن تزامن عقد مؤتمر قوات سوريا الديمقراطية الصحافي من مقر لها في شرق الفرات لتفصح عن دورها في استهداف زعيم داعش وقتله، مع مؤتمر ترامب في البيت الأبيض حين إعلانه الرسمي عن العملية التي قضت على البغدادي؛ إضافة إلى ما أورده الضابط الناطق باسم “قسد” عن دور حلفاء واشنطن من الأكراد في نجاح العملية من خلال تقديم المعلومات الاستخبارية عن تحركات البغدادي في الأسبوعين الأخيرين إلى أن تمكنت منه اليد الأميركية الطولى على الإرهاب؛ وإثر إعلان وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، بأن قائد قسد، مظلوم كوباني، هو الوحيد غير الأميركي من أعضاء الفريق الذي جهز لوجستياً ومعلوماتياً للعملية الفريدة والعالية الخطورة؛ كل ما سبق استدعى التساؤل عن إمكانية الربط بين أضلع مثلث برمودا الذي انتهى فيه البغدادي قاتلاً معه ثلاثة أطفال أبرياء قادهم كدرع بشرية إلى حتفهم وحتفه.

الضلع الأول من مثلث الموت يتعلق بالانسحاب الأميركي من سوريا وتزامنه مع عملية تصفية قائد داعش؛ وقد كان محل انتقاد كبير من صناع القرار في واشنطن، بمن فيهم أعضاء حزب الرئيس وأكبر داعميه من جمهوريي الكونغرس ومجلس الشيوخ. أما الضلع الثاني فيشير إلى الدور التركي في تأمين المعلومات الاستخبارية اللازمة والاحترافية عن مكان وجود البغدادي علماً أنه انتقل إلى إدلب منذ أسبوعين فقط بتنسيق مع جبهة النصرة، وما يحمل هذا الأمر من إمكانية أن يكون رأس البغدادي هدية قدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لترامب مقابل السماح له بإقامة المنطقة الآمنة بعد انسحاب الجيش الأميركي من شرق الفرات وإخلاء الساحة لتحقيق شبه انتصار يحتاجه الرئيس التركي في الداخل بعد خسائر سياسية متوالية لحزبه. أما الضلع الثالث فيرتبط مباشرة بالموقف الروسي من العملية التي تم إخطار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بها من واشنطن قبيل حدوثها، ما جعل القوات الروسية تخلي الأجواء تماماً في أماكن سيطرتها وحليفها جيش الأسد لمرور الطائرات التي قامت بعملية الإنزال فوق معسكر البغدادي في إدلب بأمان كامل ودون عائق أو تحفّظ.

أما عن الدور الكردي في إنجاز هذا النصر الكبير وقطع رأس أفعى داعش في وكره؛ ذاك النصر الذي سيكون جسراً ممهَداً لعبور ترامب بسلاسة إلى الدورة الثانية من الحكم، لأن ورقة القضاء على رأس الإرهاب هي الورقة الأعلى أهمية وبريقاً للناخب الأميركي؛ فيعني أنه لابد لترامب من الاعتراف للأكراد بدورهم في إنجاز المهمة التي كان يستدعيها منذ ثلاث سنوات وهو يلحّ على وزرائه ومستشاريه بالسؤال “أين البغدادي.. نريد رأس البغدادي”، ولابد من مكافأة أميركية لهم بعد خذلانهم الكبير بإخلاء الطريق أمام أنقرة لعملية أحادية الجانب دفعتهم مسافة 32 كيلومتراً خارج مواقعهم؛ وقد تكون المكافأة دسمة، بالإبقاء على قوات أميركية حول آبار النفط السورية، بحيث تكون إدارة الثروة النفطية لمجلس سوريا الديمقراطية الذراع السياسية لقوات قسد.

وأما عن الإسناد التركي للعملية، فليس إلا رداً للمنحة الأميركية بالمصادقة على الحملة العسكرية التركية على مواقع قسد، من رأس العين حتى تل أبيض؛ بل وغض البصر عن عمليات التنكيل والقتل المتعمد التي مارسها على المدنيين الأكراد الجيش التركي وحلفاؤه من التنظيمات التكفيرية.

أما عن موسكو وصمتها الذي وصل إلى حد تيسير العملية، فإن خيط تفاهماتها الرفيع والقوي مع واشنطن لم ينقطع منذ بدء العمليات العسكرية الروسية في سوريا في سبتمبر 2015؛ بل منذ التفاهم الروسي الأميركي بين الوزيرين جون كيري وسيرغي لافروف، الذي منع الضربة العسكرية الأميركية للنظام السوري في اللحظات الأخيرة، بعد أن كانت البوارج الأميركية قد وصلت إلى مسافة أميال من السواحل السورية لإنجاز إسقاط النظام الذي استخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين في مجزرة الغوطة الشرقية في شهر أغسطس عام 2013. تقاطعت عملية تصفية البغدادي مع مصالح دولية وإقليمية قد تتجاوز عدد أضلع المثلث المذكور لتصل إلى المربّع أو المخمّس على شاكلة بناء البنتاغون في واشنطن.

فإلى ماذا ستؤول أمور الشمال السوري إثر القضاء على رأس تنظيم داعش في عملية العام وكل الأعوام تلك العجاف التي مرّت على سوريا منذ اتخذ تنظيم داعش من أرضها مستقراً له مستفيداً من الفوضى الميدانية، والاستعصاء السياسي، وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، وتناقضات المشهد السريالي السوري؟ وهل توقيت القضاء على البغدادي هو بمثابة ضوء أخضر لتطلق موسكو ومن خلفها نظام دمشق حملة ثقيلة على إدلب -معقل المعارضة الأخير- متذرّعة بانتقال زعامة داعش إليها بالتعاون مع جبهة النصرة التوأم في الإرهاب والتطرف العنيف؟


من نافلة القول إن ترامب يحرص على استثمار عملية تصفية البغدادي لصالحه الشخصي إلى الحدود القصوى الممكنة لأسباب داخلية تتعلق بمشروع عزله عن منصبه الذي يقوده ديمقراطيّو الكونغرس، وكذا محاولته كسب ثقة الشعب الأميركي بإعادة أبنائهم الملتحقين بالجيش الأميركي إلى بيوتهم في فترة الأعياد والميلاد بإعلانه انسحابه من سوريا، وما سيترتب عليه من ارتفاع الزخم الشعبي للتصويت له لدورة رئاسية ثانية؛ ومن نافلة القول أيضاً إن أردوغان أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد: الأول إرضاء ترامب بعد أن سهل مهمته في إبعاد القوات الكردية عن حدودها والظهور أمام شعبه بمظهر المنتصر، والثاني يستهدف عصفور الأكراد في تلقينهم درساً قد فاته في العراق، فتأسس إقليم كردستان العراق على حدوده بمقوماته السياسية كافة وإمكاناته الاقتصادية التي في صلبها نفط كركوك.

ومن نافلة القول إن موسكو ومن ورائها نظام الأسد قد صمتت عن الترتيبات الأحادية الأميركية في شمال سوريا، كما فتحت الطريق البري والجوي لإنجاز عملية تصفية البغدادي، لهدف واحد وهو إبراز الحجة بأن ضرب المتطرفين في إدلب واستعادة المحافظة إلى “حضن الوطن” أصبحا ضرورة ملحّة ولم يعودا ترفاً سياسياً وحسب.

استدعت موسكو مؤخراً المزيد من قوات المشاة والآليات البرية إلى سوريا؛ فهل تستعد لاقتحام إدلب براً هذه المرة، وحجة القضاء على الإرهاب في يمينها وجيش الأسد بيسارها؟ وماذا سيكون موقف اللاعبين أصحاب النفوذ في الشمال السوري من كل القوى المنتشرة هناك؟ وهل الأنفاق التي حفرها الإرهابيون من جبهة النصرة ومشتقاتها ستكون قبرا لهم كما كانت قبرا لزعيمهم، أم أن المدنيين هم من سيدفعون الثمن غاليا؟العرب



كاتبة سورية أميركية

الاخوة متصفحي عدن اوبزيرفر نحيطكم علماُ ان :

* التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي " عدن اوبزيرفر " وإنما تعبر عن رأي أصحابها

* نعتذر عن نشر أي تعليق يحمل تجريح وألفاظ نابية

أضف تعليقا

الاسم *
البريد الالكتروني
التعليق *

    الرجوع الى الأعلى