عدن اوبزيرفر
عدن اوبزيرفر

خوف ذكوري جماعي يستفزه جسد شابة متفوقة

يوليو 03, 2019 عدد المشاهدات 193 عدد التعليقات 0
خوف ذكوري جماعي يستفزه جسد شابة متفوقة



زينب التوجاني
تزداد الهوة اتساعا في تونس بين قوى قادرة على مواجهة العصر بالعلم والانفتاح وبين قوى تجذب للوراء لا تزال تتعثر أمام الصراع العنيف بين تمثلاتها المرضية للجسد وللحرية وللهوية وبين ما تستوجبه قيم العصر.

وتشتد الهوة كلما تعلّق الأمر بأجساد النساء. فها هي شابة تونسية متفوقة في دراستها تلبس لباسا صيفيا عاديا وتجلس بين أبويها اللذين يؤازرانها ويفتخران بها، فتنتشر الصورة على موقع من مواقع العالم الافتراضي فتكون ردود الفعل حملة أخلاقية مشينة لا علاقة لها بمحتوى الفيديو ومناسبته.

تتردد في التعليقات المشينة أوامر ونواه تتعلق بنوعية اللباس الذي يجدر بالفتاة ارتداؤه، فهي في تصور هؤلاء عارية، فاتنة، جسدها معروض كقطعة حلوى، لا فرق بينها وبين بائعة الهوى، لا تلتزم بأخلاق الإسلام، ولا تلتزم بالحشمة ولا معنى لتفوقها ما لم تستر جسدها.

وتتهاطل التعليقات والشتائم والأوامر والنواهي بل تتهاطل كلمات نابية ومعاجم فيها قذف لهذه الفتاة. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر هذه الردود ناطقة باسم الإسلام في شيء، أولا لأن الإسلام مثل كل دين أخلاق وقيم فهل نعت النساء وقذفهن من أخلاق الإسلام؟ هل نسي هؤلاء المتحدثون باسم القيم الإسلامية أن القذف كبيرة من الكبائر تستوجب الجلدَ عقوبة دينية مذكورة في القرآن الكريم؟ فكيف يسمحون لأنفسهم بنعت الفتاة بنعوت تمس من شرفها وفي ذلك تعد على قيم القرآن ونواهيه الكبرى؟

ثم إن من أخبار المسلمين قصة تُروى عن ابن بطوطة أنه حين عيّن قاضيا في أحد البلدان الحارة وكان أهلها لا يلبسون لباسا من شدة الحر فإنّه كان يستحي أن تدخل عليه النساء عراة على عادة أهل البلد الذي يعيشون فيه، فلم يقدر على إقناعهم بغير ذلك اللباس فاكتفى بأن وضع على باب محكمته جلابيب وأقر حكما أن لا تدخل عليه امرأة لتشكو أمرها أو تطلب طلبا إلا بعد ارتداء اللباس الذي وضعه، وهكذا فإنّهن يلبسنه في حضوره وينزعنه حين يغادرن ولم يبطل ذلك إسلامهن.

لكن الهجمة التي تعرضت لها الفتاة المتميزة فعل جماعي عنيف يعبّر عن تحرك خوف جماعي ذكوريّ استفزه جسد شابة لم تتوسّل به غاية بل كل تركيزها كان بخصوص التعبير عن فرحة نجاحها وآمالها وطموحها المستقبلي.

لسان حال المتهجمين يقول: كيف تجرؤ هذه المرأة على كسر السياج وإثبات وجودها بعقلها الكامل المتفوق؟ كيف تجرؤ على عدم المبالاة بجسدها والخوف منه وإخفائه والتعامل معه تعاملا طبيعيا صحيا وخاليا من الخجل أو الشعور بأنه عورة يجب سترها أو أن مهمته الوحيدة الجنس وأن يكون حرثا لذكر من الذكور؟

إن جريمة هذه البنت التي تستحق من أجلها الرجم بوابل التعاليق الجارحة هي اعتداؤها على منطق المرأة العورة الناقصة التابعة غير الكاملة التي خلقت أساسا لخدمة الرجال وإنجاب الأطفال وأن تكون عالة على غيرها محتاجة للقوامة والولاية عليها. فكيف تجرؤ هذه البنت على أن تكون قادرة بذاتها على أن تكون إنسانا كامل الوجود والعقل دون أن يتعلّق بها نقص وخوف وخجل، ودون أن تشك أنها عورة أو حية أو مدينة للحياة بخطيئة حواء؟

لقد عبرت هذه الهجمة الجماعية الذكورية عن حجم الخلل الكامن في التنشئة الاجتماعية التونسية وعن حجم التناقضات الهائلة التي تسكنه: فبين هذه العائلة التي لا يرى رب عائلتها حرجا من أن يقبّل رأس زوجته التي اعتنت بابنتها لتكون متألقة ناجحة وبين الهجمة الجماعية يوجد نوعان من الذكورة: الذكورة الإيجابية المتفاعلة مع محيطها والمنتجة للثقة والمحبة وغير المتعالية على غيريتها فلا يجد الأب في تشجيع ابنته وشكر زوجته التي اعتنت بها حرجا ويقبّل رأسها على مرأى من الجميع معبّرا بذلك عن الامتنان. أما الذكورة الثانية فهي سلبية ونرجسية ومتعالية وغير واثقة من نفسها في آن، فيرى الرجال المتهجمون في تلك البنت المتفوقة جسدها ولا يرون عقلها.

إن الذي يعرف نفسه بأنه ذكر قبل كل شيء لا يرى سوى الجسد في الآخر والذي يعرف نفسه بأنه إنسان قبل أن يكون ذكرا أو أنثى قادر على رؤية الإنسان في الآخر. وهذه ثقافة يجب أن نتعلمها كما نتعلم غسل أسناننا قبل النوم لأنها شرط من شروط الحياة الصحية السليمة.

إنا نرى انفصام هذه الأحكام الداعشية التي تبيح للذكور ما لا تبيحه للإناث وتلاحق النساء اللواتي اخترن طريق الحرية والمسؤولية بسوط الأحكام الأخلاقية المهينة في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة المتفوقات من الإناث وتتراجع نسبة الذكور بشكل ملحوظ، وتتزايد فيه نسبة الخريجات من التعليم العالي والناجحات في مناظرات القضاء والمناظرات الكبرى والمهن الحساسة كالطب والإعلام، فيما تتراجع نسبة الذكور وتتزايد نسب الانقطاع المدرسي في صفوفهم، فتزداد بذلك هوة عميقة لا بين حاملي الفكر المتسامح المنفتح وحاملي الفكر الظلامي الذكوري فقط بل بين الإناث المتعلمات المتميزات الآملات في مجتمع أكثر عدلا وحرية والذكور الذين يتزايد في صفوفهم الإخفاق المدرسي.

وتبرز الحاجة الآن ملحة إلى التفكير في تربية اجتماعية تغرس الثقة في هذا الشباب اليائس المحبط الذي يتقاذفه الكبت والجهل والعجز عن مواجهة متغيرات العصر وتصاعد الأصوات النسائية وتعبيرهن عن ذواتهن وحضورهن دون خجل أو خوف. فأين البرامج التعليمية التي تساعد على تثقيف هذه الأجيال الصاعدة وتدربها على تحمل الآخرين وتقلص الحقد بين المختلفين.

من يعلّم هؤلاء الشباب الحائر أن الرجولة لا تكون باحتقار النساء واستنقاصهن ولا تكون على حسابهن وعلى حساب أعراضهن بل سرها كامن في تحقيق الذات بالعمل والثقة والإيمان بحدود الذات ووجود الآخرين شرط لاكتمالنا. ما أشدّ حاجتنا إلى ثورة تربوية لإنقاذ عقول ووجدان أبنائنا وبناتنا.العرب

باحثة تونسية في تحليل الخطاب الديني

الاخوة متصفحي عدن اوبزيرفر نحيطكم علماُ ان :

* التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي " عدن اوبزيرفر " وإنما تعبر عن رأي أصحابها

* نعتذر عن نشر أي تعليق يحمل تجريح وألفاظ نابية

أضف تعليقا

الاسم *
البريد الالكتروني
التعليق *

    الرجوع الى الأعلى