عدن اوبزيرفر
عدن اوبزيرفر

الصحافة الجيدة تخاطب المتلقي مواطنا لا مستهلكا

ديسمبر 04, 2018 عدد المشاهدات 1724 عدد التعليقات 0
الصحافة الجيدة تخاطب المتلقي مواطنا لا مستهلكا


محمد شلبي
شاهد عدد من التونسيين مساء 24 أكتوبر الممثلة مريم بن مامي في برنامج تلفزيوني مباشر وهي تخاطب عبر الهاتف صاحب مطعم تطلب منه أن يوصل إلى بيتها بعض الأكلات ثمّ تستدرجه على أساس فضحه بأنه حاول قبل أيام استمالتها في المطعم. يقبل “الضحية” أن يلحق بها في بيتها، تضحك الممثلة-الإعلامية ضحكة تبدو مصطنعة قائلة “أنت لا تستحي… لقد وقعت في الفخ”. ويضحك المتحلقون حول الطاولة في البلاتوه ويصفق الجمهور وينتشي…

ذلك مشهد مما يشاهده التونسيون في واحد من برامج “توك شو” التي يستحسنها البعض ويلعنها البعض الآخر، والأقرب إلى الظن أن من بينهم من يحمدها سرا ويلعنها جهرا. ويثير ذلك النمط من البرامج جدلا حادّا على الشبكات محوره رداءة الإعلام التونسي، بل هبوطه إلى القاع. ويدور الانتقاد كله أو يكاد حول أسماء “إعلاميين” يظهرون في القنوات التلفزيونية ويتحدثون أحيانا في الإذاعات، في حين ألاّ جدل مطلقا يطول صحافيي المطبوعات إلاّ أولئك الذين يظهرون منهم في التلفزيون.

ولا يلحق الانتقاد إلاّ نادرا الصحافيين التلفزيونيين والإذاعيين الذين يشتغلون في الأخبار أو في البرامج الحوارية مما يعني أن عددا من التونسيين يختزلون الإعلام في التلفزيون أساسا وفي جزء من مضامينه، أي “توك شو”، بما فيها القريب من البرامج الحوارية التقليدية، أو برامج “الأنفوتاينمنت” التي تخلط بين الإخبار والترفيه. فهل يستقيم للصحافة أمر وتتخلص من رداءتها طالما اختزلها الناس في التلفزيون؟

أطلق المفكر الألماني هابرماس صيحة فزع في مقال نشره في مايو 2007 عنوانه “ينبغي إنقاذ صحافة الجودة” وشبّه فيه دور تلك الصحافة بالخدمات العامة التي ينبغي للدولة أن تضمنها للناس مثل الماء والغاز والكهرباء. وصحافة الجودة في نظر الرجل هي أولا الصحافة المكتوبة الموجّهة إلى القارئ بصفته مواطنا لا مستهلكا ولا يحتاج الفرق بينهما إلى بيان.

لقد أظهرت استطلاعات الرأي منذ 2011 أنّ نسبة ضئيلة جدا من التونسيين يطالعون الصحف مما يعني أن أثر الصحافة المكتوبة في تشكيل المنظومة الصحافية التونسية اليوم أثر ضئيل. ورغم الضرر الذي لحق بالصحافة المكتوبة في العقدين الماضيين على الصعيد العالمي، بفعل تطور الشبكات وظهور الميديا الجديدة، فإن أثرها في تشكيل المنظومة الإعلامية في أي بلد يبقى أثرا عميقا.

ففي 2012 وضع باحثان (هالين ومانشيني) أربعة معايير لتصنيف النظم الإعلامية الحالية في العالم، أحدها معيار يخص وزن الصحافة المكتوبة في البلد المعني وتاريخ تطورها. ويدل ذلك بوضوح على أمر مهم وهو أثرها في نضج الأنظمة الإعلامية ليست كصحف ورقية مطبوعة فقط بل كذلك كممارسة صحافية وثقافة وطرق معالجة انبنى عليها الإعلام قرونا في مجال التثبت من الوقائع ونقلها والتعمق فيها وتحليلها والحوار في شأنها.

في يوم 22 سبتمبر سمع التونسيون في نشرة الأخبار التلفزيونية المسائية ثلاثة أرقام مختلفة، في نحو ربع ساعة، عن كمية الأمطار التي تسببت في فيضانات محافظة نابل. والتدقيق في الأخبار المعروضة في التلفزيون ليس أمرا في المتناول دائما بحكم الأخبار التي تُبثّ مباشرة ولضيق الوقت المتاح لإنجاز التقارير المصورة ولتعدد المتدخلين في صناعة المضامين التلفزيونية.

ولم يأخذ التلفزيون من قرون الصحافة المكتوبة المقالات التفسيرية التي لا نفهم إلاّ بها أسباب ما جرى ومعانيه ومخلفاته المحتملة. فلا فائدة من نقل بعضها مجردة دون تفسيرها. ولا يتحمل التلفزيون مقالات الرأي التي تسهم في تكوين الرأي العام، عندما تكون مقالات مسؤولة لا يُقصد منها الدعاية كما كان دأبها على امتداد عقود. ولا ترتقي البرامج الحوارية إلاّ نادرا إلى مرتبة مقالات الرأي تلك، إذ كثيرا ما يحتد الجدل فيتحول الحوار فيها إلى خصام باللفظ غالبا وبالأيدي كما شاهدنا أحيانا. لقد حدث أن غادر الضيوف عشرات الحوارات التلفزيونية نتيجة التشنج الذي يفضي إلى التشاتم.

فلمّا تكون المواد الإخبارية حبيسة النشرات وبعض من البرامج الحوارية في محيط لم يشتدّ فيه عود الصحافة المكتوبة لتهيئ الظروف الملائمة للتلفزيون وتواكبه فإنّ مضامين أخرى ستظهر لا محالة على الشاشات فيأخذها الناس على أنها إعلام، وهي ليست كذلك، فيكون الحكم عليه جائرا. وكذلك يكون الأمر لمّا يحلّ محلّ الصحافيين متحدثون في برامج حوارية يمتهنون التعليق فتختلط شبه الوقائع بالأحكام ويأخذ المشاهدون التخمينات على أنها حقائق.

وليس عسيرا أبدا السعي في سبيل الجودة. فالالتزام بأخلاقيات العمل الصحافي والاجتهاد في طلب مضامين جديدة مختلفة عن المتداول لإثراء النقاش العام والحرص على الدقة في النقل وتنويع المصادر، خدمة للمصلحة العامة دون غيرها، هي أولى الخطوات نحو الجودة. إنّ مثل تلك المضامين الجيدة لا تقصي أبدا مضامين أخرى ترفيهية يرغب فيها المتلقي المستهلك الذي يقرر في وقت ما مغادرة مواطنته ليعود إليها لاحقا.

لقد دأب أهل المهنة على إعطاء الصحافة ثلاث وظائف، هي الإخبار والترفيه والتثقيف، غير أنه حان الوقت عندنا لإضافة رابعة وهي وظيفة الإسهام في التفكير والنقاش حتى لا تكون البرامج التلفزيونية كلها برامج يضحك فيها المتحلقون حول الطاولة في البلاتوه ويصفق لها الجمهور أو يبكي أحيانا.العرب


باحث تونسي في الإعلام

الاخوة متصفحي عدن اوبزيرفر نحيطكم علماُ ان :

* التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي " عدن اوبزيرفر " وإنما تعبر عن رأي أصحابها

* نعتذر عن نشر أي تعليق يحمل تجريح وألفاظ نابية

أضف تعليقا

الاسم *
البريد الالكتروني
التعليق *

    الرجوع الى الأعلى