عدن اوبزيرفر
عدن اوبزيرفر

    ليالي شهرناس الجزء الثاني

    سبتمبر 19, 2018 عدد المشاهدات 643 عدد التعليقات 0
    ليالي شهرناس  الجزء الثاني


    ليالي شهرناس

    الجزء الثاني

     

    إيناس ثابت

     


     

     

    حلَّ المساء ولف الظلام السماء. ولكنالقمر كان ينشر خيوطه في الفضاء، والغيوم تحجب نوره من حين إلى حين. وهكذا تثاءبت حقولالبراري وأمواج البحار، وغرقت الدينا وكائناتها في أعماق السبات، تسبقهم شهرناس وقدحمل الحب قلبها إلى دنيا الأحلام. تجلس بين يدي أميرها بدر الزمان، يفيض به الشوقوتفضح عيناه الغرام، فلم تنطفئ ناره إلا بعد مثولها بين يديه.

     

     

    وبعد ترحيبٍ وحبٍ وَوَلَهٍ مستفيضألح عليها بالسؤال: ما القصة التي أحضرها الجان الثاني يا شهرناس؟ قالت: يا سيديومولاي أما الجان الثاني وبعد سماع قصة صديقه قال: قصتك عجيبة لكنها ليست أعجب منقصتي..!؟ فأثناء سيري في سوق المدينة صادفت رجلا وأسديت له بعض الخدمات، فشكرنيودعاني إلى بيته ليكرمني، وبعد أن أكرمني بالعشاء رأيته شارد الذهن غائب البال كأنمارحل بفكره إلى عالم آخر. وحينما سألته عن سر شروده وبعد إلحاح مني  روى لي حكايته فقال:

     

     

    زارني في منامي راحل عن الدنيا،رأيته في أحسن الأحوال. كان مشرق الوجه وضاء الجبين ويشبه طلة البدر عند الكمال.  يبحر على زورق من العسجد وخشب الخيزران، ويرتديحلل الملوك وعلى رأسه قبعة مصنوعة من خيوط الفضة والذهب والديباج، ويحمل في يدهفاكهة طيبة الرائحة شهية المنظر، فلم أرَ مثل منظرها ولم أشم رائحة زكيه مثلها فيحياتي. وحينما تبسم ظهرت ثنايا أسنانه كاللؤلؤ المنثور، ولقد قضى حياته في الدنيامعربدا سكيرا وعاشها على هواه. أسلم نفسه للخمر واستبد به الكأس وانقضى عمره بلمحالبصر. لم تكن تفارق الكأس يده ولم يغب عن مجلس في الدنيا فيه شرب ونساء وغناء، فقضىحياته على العطايا والصدقات وما تجود به أيادي أهل الخير والإحسان.

     

     

     وحينما سألته: من أين لك كل هذا..؟ قال: إنيأعيش في نعيم لا ينقضي ولا يزول فأنا في جنة الله. قطبت جبيني وقلت له: أين أنت من الجنة؟ أنسيت مافعلته في دنياك؟ قال: ويحك! أتقارن ربا رحيما بالعباد ..؟ من أنتم حتى تستأثروابرحمته وتقسموها على من شئتم من الخلق ؟ أيها المغفل رحمته سبقت عذابه وجنته وسعالأرض والسماء ويمكنك أن تدخلها من مئات الأبواب.. فأدخل جنة الله من أي باب  تشاء، ولا تحصر أفعال الخير على عقلك المحدود فيالعتبات والأبواب.

     

    لقد غفر الله لي ليلة كنت جالسا فيهاعند عتبة خمارة، والكأس كانت في يدي وبالقرب مني بعض الضالين أمثالي، عندما مر بنارجل محسن يوزع طعاما وخبزا ولحما على الفقراء، التهم كل واحد حصته دون أن ينظر إلىوجه من كان بجانبه. ورحت أتلفت حولي هل بقي أحد دون طعام؟ فلم أر إلا قطة تموءجائعة مثلي. أشفقت على القطة ووضعتُ أمامها  حصتي من اللحم والخبز. أكلتْ حتى شبعت ثمغادرتني وهي تموء لعلها كانت تشكرني ولا أفهم ما تقول.  ثم أكلتُ بعدها ما فاض عنها من الخبز واللحم.وهكذا غفر الله ذنوبي بواسع رحمته وإحساني للقطة المسكينة.

     

     

    سكت الرجل قليلا فقلت له: والله إنفي منامك لعبرة يرق لها القلب يا صديقي، وسأذكره في مجلس سيدنا سليمان، فلا أظن أنأحد منكما جاء بقصة أعجب من قصتي. تنحنح الجان الثالث وقال: بل قصتي هي الأعجب، وبها يغفر زلتي سيدناسليمان. أتيت بأخبارها من قرية طاب هواؤها وكثرت بساتينها ورقت صفحات مائها.

     

     وبينما كنت سائرا في أحد مراعيها يا صديقي،أتفقد أحوال الحيوانات التي كلفت بالعناية بها، والاهتمام بشؤونها وسماع شكواها،تناهى إلى سمعي بكاء خافت، بحثت عن مصدر الصوت حتى توصلت إليه. كان البكاء ينبعثمن زهرة حمراء باهتة اللون، حينما لم ينفع توسلها للسماء التي قطعت عنها المطر، فذبلتوبهت لونها وتغيرت عن قريناتها من زهور الحقل.

     

     

    وحينما سألتها: علام البكاء أيتهاالزهرة؟ لم تجبني واستمرت في البكاء، فقلت لها : أنا عفريت سيدك سليمان، ومن أنصفالنملة يا صديقتي وسائر طير الأرض والسماء، وله سخر الريح والإنس والجان؟ لن يرضيهبكاء زهرة حمراء فاتنة مثلك تنشر عطرها على الكون. قالت الزهرة: ولكن ما بالك ياصديقي بحال من يعشق حلما مستحيلا لن يحققه الزمان؟

     

     

    كان هناك راعٍ يمر بنا كل ليلة معقطيعه، يتوسط الأزهار ويحمل بين يديه نايا ينفخ لنا فيه أجمل الأنغام وأعذبالألحان، يحنو على خرافه لا يضربها بالعصا، ولا تدوس قدماه الحشرات من النحلوالفراش، ثم يدنو مني ويقبلني. وهكذا تسلط سحره على قلبي وصرت أراقب حركاتهوسكناته، حتى دبّ الحب في خافقي وفي كل خلاياي، ودعوت الرب  ليهبني لهذا الراعي الطيب القلب.. وإذ بي فيليلة قمراء أتحول إلى امرأة لا تقل فتنة وجمالا عن الأزهار، وأسرعت أفتش عن الراعيووجدته يسكن كوخا صغيرا، يركع أمام تمثال امرأة لها تقاسيم وجه ناعم  مغرور، عرفت أنه يعود إلى امرأة ثرية تسكن القصورويعمل على راحتها خدم وخلق كثير.

     

     

    عشق الراعي تلك السيدة، فهجر مهنةالرعي وتفرغ إلى نحت تمثال لها يعبده ليل نهار، في كل ليلة يسهر على إضافة لمسةجديدة إلى التمثال، ويزيده جمالا يحاكي جمال ساكنة القصر وصاحبة التمثال، ثم يدنومنه بإجلال وتعبد واحترام ويعكف يمسح عنه الغبار، وصار يحدثه ويقبله ويناجيه معظمالأوقات. وعدت إلى حيرتي وتمنيت لو كنت هذا التمثال فيقع في غرامي، وإذا بي بقدرة  قادر أتحول روحا تسكن التمثال، وفرحت أشد الفرحبما آلت إليه حالي وصورتي الجديدة، ورحت أحدثه ذات مساء فوقع حديثي عليه بصدمةوأصابه الذهول، وفم التمثال يتحرك وينطق بالكلام. أعجبه الحديث ووجد فيه سلوىومنفذا للبوح  بمشاعر قلبه.

     

     

     

    أحببته حبا ألهب كبدي وكياني كله، وتملكنيحب في عمق أحشائي وشعرت معه أني زهرة تتفتح من جديد، ووعدته ما أن ينتهي من صنعيحتى يتحقق له مايريد، وأكون له ويكون لي كما يشاء ويشتهي. وقررت أن أعلن للراعيحقيقتي ما أن ينتهى من صنع التمثال الذي سكنته. حتى جاء يوم رأى فيه السيدةالحقيقية تمشي في الجوار ثم تختلس النظر من النافذة تراقب صنع الراعي وكيف صورهابعد أن شاع خبره في القرية، وما أن رآها حتى ترك صورتها التي سكنتها وهرع إليهاكالمسحور، لان قلبها وتحركت عواطفها تجاهه ثم عاد وخرّ أمامي يقبلني، إذ ظن أنيحققت له ما وعدته به ووجد محبوبته حقيقة من لحم ودم ماثلة أمامه.

     

     

    لم يرني إلا تمثالا وخرافة وخيالا لايزيد عن الصنم، لا امرأة تأسره وتملكه بروحها وجسدها. وصار يقابل السيدة في قصرهاحينا وأمامي أحيانا أكثر، ثم هجرني أياما وليال طويلة وكأنما مات وانتقل من الدنياإلى فردوس محبوبته. فتركت التمثال وليتني لم أفعل،  فقد تحولت إلى روح هائمة لا تدري ماذا تريد أوتفعل.

     

     هكذا عدت إلى طبيعتي الأولى، وحقيقتي كزهرةحمراء تنتظر قدومه وانشراح صدره وغرامه. وهكذا مرت الأيام والليالي وأنا انتظرعودته ولم يأت، فدب اليأس في قلبي وكاد يقتلني الشوق إليه، فجف ساقي واختفى لونيوتوارى عبيري... فارفع أيها العفريت شكواي إلى سيدنا سليمان، قل له زهرة حمراء غابمحبوبها ولم  يسعفها قطر الندى، ولم يعديجدي معها غوث مطر ولا صلاة استسقاء.

     

     

    وهنا كفت شهرناس عن الكلام، وتساءلبدر الزمان عن أحوال الثلاثة من الجان.. ماذا قال لهم سيدهم سليمان وأي حكم أصدرعليهم بعدما قصوا عليه الحكايا وجاءوا إليه بالأخبار؟ إلا أن شهرناس أفاقت منالسبات. وبقي بدر الزمان ينتظر بلهفة المشتاق ليالي ما يأتي من ليالي شهرناس.

     

     




    الاخوة متصفحي عدن اوبزيرفر نحيطكم علماُ ان :

    * التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي " عدن اوبزيرفر " وإنما تعبر عن رأي أصحابها

    * نعتذر عن نشر أي تعليق يحمل تجريح وألفاظ نابية

    أضف تعليقا

    الاسم *
    البريد الالكتروني
    التعليق *

      الرجوع الى الأعلى